2004/8/2


إذن، فلنـقـاطِــع معـظــم جـامـعـات العالم!

منى فياض*

 

في كل مرة اقرأ فيها عن مقاطعة الاكاديميين الاسرائيليين، ومع موافقتي البديهية عليها، وخاصة لجهة لفت الانتباه الى ممارسات قوات الاحتلال الاسرائيلي التي تقوم بالتدمير الممنهج للمؤسسات الاكاديمية والثقافية الفلسطينية، من طريق الحواجز العسكرية والحصار الخانق والجدار الكولونيالي العنصري والاعتقالات والاعتداء العنيف على المدارس والجامعات وهيئاتها التدريسية والادارية وطلبتها، اظل اشعر بنوع من القلق، او لنقل بعدم الراحة على الاقل، خوفا من النظرة التبسيطية في التعامل مع المسألة وخوفا من ان لا تؤدي الحملة الى اهدافها المرجوة بل الى المزيد من تهميشنا العلمي والبحثي على الساحة العالمية.

وبرز هذا الشعور خاصة بعد متابعتي للسجال الذي دار في صفحة "قضايا النهار" (**) بحيث بدا الامر وكأن علينا نحن كعرب وكلبنانيين "الانقطاع" عن المشاركة في اي من المؤتمرات او النشاطات العلمية العالمية في كل مرة يكون حاضرا فيها مشارك اسرائيلي! وتحت طائلة قانون التخوين والتشهير والعقاب بالسجن. فهل علينا حقا ان نفهم المقاطعة على هذا الشكل؟ وهل هناك اصلا نشاط علمي عالمي لا يشارك فيه اسرائيلي او صهيوني؟ وهل علينا التسلح بالقانون اللبناني من اجل "تهديد" كل من يشترك في نشاط علمي يشارك فيه اسرائيلي؟ ام ان هناك فهما آخر ممكنا للمقاطعة بحيث يفيد اهدافها دون التأثير سلبا على المشاركة العربية والفلسطينية العلمية في المؤتمرات العلمية العالمية؟

حصل ان تلقيت للمرة الثانية خلال شهرين بريدا الكترونيا يحمل بيان المبادئ العامة للحملة الفلسطينية للمقاطعة الاكاديمية والثقافية لاسرائيل ويشرح اسبابها المتعلقة بالممارسات الاسرائيلية العنصرية ضد الشعب الفلسطيني، ويشير الى حيثيات مقاطعة الاكاديميين الاسرائيليين بسبب تواطئهم الضمني على ادامة اشكال اضطهاد الفلسطينيين ومشاركتهم في كثير من الاحيان في المشروع الاستعماري وتحميلهم تبعة انتهاكات حقوق الانسان والجرائم التي تقوم بها اسرائيل، وفيه دعوة لتوسيع دائرة المقاطعة.

واعتقد انه من المفيد التأكيد على خلاصة الموقف المقدم من قبل فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة من اجل توضيح النقاش: "مقاطعة كافة اشكال العمل والتعاون والمشاريع الاكاديمية والثقافية المشتركة مع الجهات الاسرائيلية المختلفة بشكل عام. ويُستثنى من ذلك تلك الانشطة والعلاقات التي تتم في سياق يخدم اهداف النضال الوطني الفلسطيني، والتي تهدف تحديدا لمناهضة جميع اشكال الاضطهاد الاسرائيلي، على الا تشترط هذه الانشطة او تؤدي الى التبعية او التخلي عن المبادئ والحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف".

اود ان اشير بداية الى اول فهم وممارسة خاطئين للمقاطعة يسيئان الى القضية الفلسطينية من ناحية، والى التواصل العلمي الاكاديمي من ناحية اخرى، وهو ما تؤدي اليها المقاطعة عندما تمارس الآن، لأنها لا تزال تطاول فلسطينيي الـ48 ومن دون تمييز، وهذه المسألة طرحت بحدة في مؤتمر قاسم امين في القاهرة عام 1999، حيث كانت قد دعيت باحثة فلسطينية عربية (تحمل الجنسية الاسرائيلية بالطبع لأنها من فلسطينيي 48) الى المؤتمر وتعالت اصوات تتهجم على المجلس الثقافي الاعلى وتندد بدعوته "اسرائيليين"!! وتمت الاشارة في هذا السياق الى المقاطعة والى ضرورة التمسك بها. فهل المقصود مقاطعة هذه الفئة مثلما نقاطع الاسرائيلي الصهيوني؟ تماما مثلما يتم الامتناع عن تسجيل زواج لبناني من فلسطينية مسيحية تحمل الجنسية الاسرائيلية بسبب الفهم الحرفي الضيق للقانون؟ هل هذه هي المقاطعة المطلوبة اذن؟ لمن؟ ولماذا؟ وهل تخدم هذه المقاطعة اهداف النضال الفلسطيني؟

افهم المقاطعة على انها عدم دعوة اكاديميين اسرائيليين صهاينة الى الدول العربية، وعدم الاشتراك في اي مشروع بحثي مع صهاينة، ويضر بالنضال الفلسطيني، وعدم المساهمة في نشر فكر معاد ومسيء، لأن ذلك يعني تطبيعا لا يهدف سوى الى خدمة مصالح الدولة الصهيونية العنصرية، وافهم المقاطعة محاولة تحقيق امتناع الاكاديميين الغربين عن دعوة الاكاديميين الصهاينة اياهم وعدم دعمهم بأي طريقة كانت، ولكني لا افهمها مقاطعة للمؤتمرات العالمية التي تضم حضورا اسرائيليا لأن في ذلك ضررا وتعطيلا للقدرة على تطوير امكاناتنا ومساهماتنا العملية، الضئيلة اصلا.

صديقة لي فلسطينية - اسرائيلية، لا تملك سوى الجنسية الاسرائيلية بحكم مولدها في فلسطين المحتلة بعد العام 1948، وتشارك في امثال هذه المؤتمرات بتمويل من الجامعة الاسرائيلية (بعض تناقضات ما يسمى ديموقراطية اسرائيلية)، كتبت لي بعد مشاركتها في مؤتمر عن "الصحة النفسية وعن اثر الحروب (1)". ما ساءني في المؤتمر هو ان خطاب الصدمة Trauma التي تصيب المجتمعات في حالة حرب تهيمن عليه بشكل حصري الرواية الاميركية والاسرائيلية، اي صدمة الحادي عشر من ايلول، وصدمة المجتمع الاسرائيلي الذي يعاني من "الارهاب" الفلسطيني. اما باقي الكوارث والحروب في العالم فقد ذكرت بشكل عام او عابر او مقزّم. ان هذه الهيمنة الاكاديمية التي تنشر صوت الصحة النفسية للاميركيين واليهود عبر المؤتمرات الاكاديمية وتصل منها الى الاعلام كوقائع علمية مدروسة هي نوع مهم جدا من فرض طريقة تفكير، وطريقة تعامل، مع ما يسمى "وقائع" و"نظريات".

ان غياب العالم الثالث والعالم العربي خاصة، وبسبب الكلفة المادية للمؤتمرات اساسا!! يترك الساحة مفتوحة امام دولة صغيرة جدا كاسرائيل لتنافس الاكاديميا الاميركية، وباقي الاكاديميا في العالم، ولتعرض نفسها كخبير في كل مجال من مجالات العلم، وحتما في مجال الصحة النفسية. طبعا اوصلت صوتي هذا لمن كان ممكنا ان يصغي وان يفكر في هذا الواقع. وطالبت ان يكون هنالك ضمن التنظيم صندوق خاص يدعم مصاريف السفر لباحثين في العالم العربي والعالم الثالث. لا اظن ان هذا الاقتراح سوف ينفّذ حالا، لأن هذا يعني ان الطاقم الاداري المنتفع مباشرة من منصبه ومن المنصة العالمية التي تمنحه اياها هذه المنظمة العالمية سوف يقطع الغصن الذي يجلس فوقه، ولكن اظن ان هذا الاقتراح كان بذرة زُرعت وسوف تنبت بعد حين ويشاهد تأثيرها على الارض في ما بعد".

ان المسألة التي علينا تخطيها هي كيف نواجه الخطاب "العلمي" الصهيوني وندحضه علميا بدل ان نهرب من المواجهة ونترك الساحة العلمية لهم من دون منافس. واوافق رأي راي جريديني (ردا على سخرية آرمبروست وتهكمه الجارح لأن فيه الكثير من الصحة) بأن تفوقهم يعود الى الامكانات المادية المتاحة لهم، لكن السؤال هو من المسؤول عن عدم اتاحة موارد مادية للباحثين العرب؟

وهكذا يبدو الاستشهاد بنموذج المقاطعة الذي نجح في جنوب افريقيا، على اهميته وفائدته، لا ينطبق على مقاطعة الاكاديميين الاسرائيليين سوى جزئيا، ففي جنوب افريقيا المسألة ابسط بكثير، فهناك طرفان لا غير: الجنوب افريقيين من جهة (من عنصريين وغير عنصريين بالطبع) والغربيين من جهة اخرى. لكن المسألة هنا تتعلق بأطراف عدة من الاكاديميين: الاسرائيليين اليهود الصهاينة من جهة وهم الذين يمارسون الاضطهاد، المناضلين اليهود المعادين للصهيونية والداعمين للقضية الفلسطينية وهم يعانون من الاضطهاد، والاسرائيليين الفلسطينيين وهم الاكثر تضررا من العنصرية الاسرائيلية ومن المقاطعة العربية لهم، وفلسطينيي الضفة وغزة من جهة اخرى، بالاضافة الى الباحثين من الدول العربية ايضا، واخيراً الباحثين من الدول الغربية.

هناك خمسة اطراف على الاقل في هذه المعادلة المعقدة والصعبة ولكل منها خصوصيته وفاعليته ايضاً. فهل سنظل على مقاطعتنا للمواطنين العرب الاسرائيليين ونتركهم لأقدارهم؟ ام علينا التعاون معهم وخاصة على المستوى الثقافي والعلمي؟ وهل على الباحثين العرب مقاطعة المؤتمرات العلمية التي يشارك فيها اسرائيليون مهما كان موضوعها والباحث المشارك؟ وهل هذا هو الموقف الذي يخدم مصالحنا؟ هذا مع العلم ان المشاركين من العرب قلة اصلا وذلك بسبب هامشية العرب في انتاج المعرفة وتحولهم مجرد مستهلكين لها، الا عند انخراطهم في الدوائر العلمية لدول غربية بحيث يصبحون عندها في عداد مواطني تلك الدول تحديدا. فهل لدينا اوهام حول وضعيتنا العلمية ومساهماتنا في هذا الحقل؟ بحيث ان مقاطعتنا ستكون فاعلة فتترك فراغا لا يعوّض وتساهم في فضح زيف ادعاءات الصهيونية؟ ام ان المشاركة في جميع النشاطات العلمية العالمية المتاحة واستخدام المواجهة العلمية وفضح المنطق الصهيوني ذي الغطاء الاكاديمي تكون اجدى وافعل وتقدم خدمة اكبر للقضية الفلسطينية نفسها؟

ما افهمه من المقاطعة دعوة المؤسسات العلمية العالمية والاكاديميين الغربيين الى مقاطعة الاكاديميا الصهيونية - التي تخدم مصالح الاحتلال - دعماً وتمويلا ومشاركة ونشرا... مقاطعة فاعلة فلا نترك وسيلة لا نستخدمها للتوصل الى هذا الهدف.

اما في ما يتعلق بالتعامل مع الاكاديميين الاسرائيليين اليهود، فهناك اكثر من وجهة نظر، احداها التي عبّر عنها عمر نشابة والاخرى عبّرت عنها صديقتي الفلسطينية: "قرأت البيان حول مقاطعة الاكاديميين الاسرائيليين. لديّ مواقف مركبة تجاه هذا الموضوع: اولا، لا شك في ان هنالك الكثير من الاكاديميين الاسرائيليين واليهود من العالم ممن استعملوا الابحاث والاكاديميا لبرهنة مواقف لمصلحة النظام الاسرائيلي والخطاب الصهيوني. لا شك في هذا وهو يحدث يوميا. مثلا، دراسة التاريخ وعلم الاجتماع داخل اسرائيل هي من منطلق يهودي صهيوني صرف. بعض الباحثين ممن يجرأون على تقديم خطاب آخر يهاجمون ويُعاقبون. لكن من جهة اخرى، كيف اطالب انا بحرية الفكر الاكاديمي اذا لم اسمح، من حيث المبدأ، ان يكون هنالك حرية فكر اكاديمي لليهود؟ ثالثا، هنالك تيار، صغير وضعيف الآن، من الباحثين اليهود الممتازين الذين يصفون انفسهم بـ"ما بعد الصهيونيين" ممن يؤثرون ايجابا على فرض الخطاب من رؤيا فلسطينية معارضة للفكر الصهيوني السائد. ويؤثر صوت هذه الفئة بين اليهود اكثر بكثير من تأثير الاصوات الفلسطينية المحلية. كما انها تفتح الطريق امام الفلسطينيين".

وتتابع صديقتي: "ما اراه هو ان يكون هنالك تعامل انتقائي مدروس مع الافراد. هنالك فكر عنصري واضح وخادم للنظام وهو ضد الفلسطينيين ومجند بشكل يسيء الى المهنية. هذه الاصوات يجب ان تناقش نقاشا علميا مساويا لقوة الادعاءات التي تبشر بها. ما يزعجني حقا هو هيمنة المهنيين الاكاديميين اليهود على المجلات العلمية العالمية وعلى ادارة المؤتمرات الدولية بحيث يؤثرون على خطابها ويفتحون المجال لليهود، اكثر من غيرهم، لينشروا فكرهم ويؤثروا بطريقة موجهة على الاكاديميا".

لذا اجد ان المقاطعة المجدية هنا تترجم مشاركة في الفاعليات العلمية التي ندعى اليها من اجل كشف الادعاءات ومواجهتها وليس الابتعاد عنها والانتظار السلبي الذي مارسناه لنصف قرن من دون جدوى.

في الحقيقة تذكرني حركة المقاطعة كما تطرح عند البعض وخاصة على المستوى الثقافي، بكل حركات المقاطعة التي قمنا بها من قبل، مثل منع ذكر اسم دولة اسرائيل (ما يشبه موقف الطفل عندما يغمض عينيه هربا من رؤية ما يزعجه فهو يخفيه "سحريا" بهذه الطريقة) والقيام بشطب اسمها من القواميس والكتب التي تشير اليها من قريب او بعيد، الى ما هنالك من الوان مقاطعة تم تنفيذها على مر السنين. دون ان نقوّم عائداتها وفائدتها ودون ان ننظر الى اين اوصلنا هذا المنهج! وارجو ان لا يفسر ذلك على انه يعني القبول بمبدأ التطبيع او الدعوة اليه، فرمي الآخر بتهمة الخيانة اسهل من نقاشه، لذلك ارى ان المطلوب مجرد التوقف قليلا والتفكير مليا في هذا الامر وان نعيد تقويم ممارساتنا ونحاول ابتكار طرق اكثر فاعلية، ونأخذ في الاعتبار الحالات الخاصة، دون ان ننسى ان باستطاعتنا التوصل الى اهداف المقاطعة كما عبّر عنها بيان حملة المقاطعة عبر المشاركة في مختلف النشاطات العلمية، والعمل على ان نكون عاملا عضويا ومشاركا اساسيا فيها! لكن ان نخلي الساحة ونقاطع مؤتمرات عالمية مشاركتنا فيها هامشية اصلا ونادرة فهو امر يدعو الى العجب!

علينا مواجهة انفسنا وقراءة والتر آرمبروست بصراحته الجازمة: ما معنى ممارسة مقاطعة انتقائية لـ"بعض" النشاطات التي قد يدعى "البعض" للمشاركة فيها وعدم مقاطعة كل الاكاديميا الغربية المشاركة اوالداعمة للبرامج (والسياسات في الكثير من الاحيان) الاسرائيلية؟ فلنقاطع اذن معظم جامعات العالم لأن فيها دائما صهيونيا ما او اسرائيليا متعصبا!!! الى اين سوف يؤدي هذا؟ اليس الى قطعنا نحن عن العالم؟؟ واذا كان بالامكان مقاطعة سلع استهلاكية هل بالامكان عدم "استهلاك" المنتجات الثقافية، وماذا سوف يعني ذلك؟ وضد مصلحة من سوف يعمل؟ لنكن براغماتيين ونتساءل: هل من مصلحتنا مقاطعة الانتاج الفكري والمؤتمرات وما شابه؟ ولنفكر الى ماذا سوف تؤدي مقاطعتنا للانتاج الفكري والعلمي؟ وما هي كلفتها وانعكاسها على الحركة العملية في بلادنا؟ وهل هذه الطريق الانسب للاصلاح على المستويين الفكري والثقافي؟

ربما يتطلب هذا اعادة النظر في قوانين المقاطعة نفسها او اعادة قراءتها بما يتماشى مع اقتراح اللجنة التأسيسية لحملة المقاطعة في الضفة والقطاع بحيث تكف هذه القوانين عن كونها سيفاً غاشماً مصلتاً على رقبة من نريد اختياره كبش محرقة او من اجل معاقبته بذريعة الوطنية.

1- هو مؤتمر لم استطع المشاركة فيه لسببين يلخصان وضعيتنا في العالم العربي. من جهة خوفا من الاقتراب من الاسرائيليين او المشاركة في نشاط ترأسه يهودية وايضا كي لا اتواجد معهم في قاعة واحدة فأصبح عميلة - مع ان بحثي يظهر اثر الاحتلال الاسرائيلي المدمر!-. ومن جهة اخرى لأني لن احظى بأي تمويل من جامعتي وبغض النظر عن موضوع المقاطعة او عدمه، ولأسباب مالية صرفة تتعلق بقصر نظر انظمتنا.

* استاذة في الجامعة اللبنانية

**  كيرستن شايد (5/7/2004)، والتر آرمبروست (13/7/2004)، راي جريديني (20/7/2004)، عمر نشابة (20/7/2004)، كيرستن شايد(22/7/2004).

اضغط هنا للعودة إلى فهرس الوثائق