2004/8/13


مناقشة لمنى فياض: المقاطعة برأي أكاديمي فلسطيني

زهير الصباغ *

 

بصفتي احد اعضاء اللجنة التأسيسية "للحملة الفلسطينية للمقاطعة الاكاديمية والثقافية لاسرائيل" وبصفتي احد الاكاديميين الفلسطينيين، اود توضيح بعض الامور التي وردت في مداخلة الدكتورة منى فياض حول موضوع المقاطعة.

لقد دعونا في مبادئنا العامة جميع الفلسطينيين الى تطبيق ما يأتي: "مقاطعة كافة اشكال العمل والتعاون والمشاريع الاكاديمية والثقافية المشتركة مع الجهات الاسرائيلية المختلفة بشكل عام. ونستثني من ذلك تلك الانشطة والعلاقات التي تتم في سياق يخدم اهداف النضال الوطني الفلسطيني، والتي تهدف تحديدا الى مناهضة جميع اشكال الاضطهاد الاسرائيلي، على الا تشترط هذه الانشطة او تؤدي الى التبعية او التخلي عن المبادئ والحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف".

وكما يبدو، فان هذه المبادئ تحتاج الى المزيد من التوضيح، وهذا ما نحاوله هنا. اننا (كلجنة تأسيسية) لا نبغي العتب ولا التقريع، بل الحوار والتقدم الى الامام. ونعتبر الجدل في هذا الموضوع اثارة جيدة للافكار التي تحملها مبادئنا العامة التي نطمح الى تعميمها.

1- نحن نعاني حالة من الاستعمار الاستيطاني الاسرائيلي وما ينتج عنه من بطش واضطهاد واستغلال وجرائم حرب متعددة. نحن لسنا احراراً في وطننا، ولا نتمتع باستقلالنا الوطني. والى الآن، لم نمارس حقنا في تقرير المصير. انا نعتقد ان التطبيع عملية تراكمية يمكن ان تحدث بعد المصالحة التاريخية، لا قبلها. لذلك، نقف الآن، وبحزم، ضد اي مظاهر للتطبيع الاكاديمي والثقافي بين الفلسطينيين والاسرائيليين، تضر بمصالحنا الوطنية وتُضعف من نضالنا ومواقفنا السياسية.

2- نحن نعاني في الاراضي الفلسطينية المحتلة نشاطات وافعالاً سياسية هدفها التطبيع، ويشارك فيها بعض الاكاديميين الفلسطينيين والاسرائيليين. اما اشكالها فمختلفة، مثل المؤتمرات، ومشاريع "البحث" المشتركة، والندوات، ودورات "التدريب"، واللقاءات الشبابية، ومعسكرات العمل الصيفية، وغير ذلك. وتتم عمليات التطبيع بتمويل وتشجيع غربي واسرائيلي، وهدفها سياسي واعلامي وليس علمياً(...).

3- لـم تـصدر من طرفنا أية دعوة او تلميح الى أننا ندعو الى مقاطعة المؤتمرات الاكاديمية والعلمية حتى لو شارك فيها أكاديميون اسرائيليون. نحن ندعو كافة الاكاديميين والمثقفين العرب الى المشاركة في المؤتمرات الاكاديمية والعلمية كافة، شرط أن لا تهدف هذه المؤتمرات الى إجراء التطبيع السياسي مع الاكاديميين الاسرائيليين. ولذلك لا ندعو الاكاديميين والاكاديميات العرب الى العزلة والتقوقع، ولا ندعو الى إخلاء الساحة للاكاديميين الاسرائيليين المتواطئين بمواقفهم او بصمتهم مع السياسات الاستعمارية لحكوماتهم الاسرائيلية المتعاقبة. فنحن لا نهرب من المواجهة، بل نسعى اليها(...).

4- إننا ما زلنا نملك مقدرة التمييز بين نوعين من الاكاديميين الاسرائيليين: (1) غالبية متواطئة تدعم بشكل مباشر او ضمني إدامة اشكال الاضطهاد الاستعماري، وتشارك في الكثير من الاحيان في المشروع الاستعماري الاسرائيلي. (2) أقلية من الاكاديميين الاسرائيليين، النقديين والاحرار والشرفاء والجريئين، الذين يعبّرون عن احتجاجاتهم ونقدهم السياسي، نظرياً وعملياً وبشكل منهجي، ضد الممارسات الاستعمارية لحكوماتهم. ونحن نثمّن مواقفهم وتضامنهم مع شعبنا العربي الفلسطيني.

5- نـحـن لا نقاطع فلسطينيي ،1948 بل نعتبرهم جـزءاً لا يـتـجزأ من شعبنا العربي الفلسطيني. كما أننا نقدّر ظروفهم الاستثنائية، ونثمّن وقفتهم ونضالهم من اجل حقوقنا الوطنية المشتركة. لم ندعُ يوماً الى مقاطعتهم، ولم ندعُ الى مقاطعة العلم والمؤتمرات العلمية، ولا نعاني الاوهام المرضية بوجود صهيوني في كل مكان يجب تجنّبه. بالاضافة الى ذلك، فأنا شخصياً من عرب الـ.1948

6- جاء في مداخلتك بعض الخلط بين مبادئ دعوتنا الى المقاطعة وما نص عليه القانون اللبناني. نحن لسنا بصدد الخوض في نقاش مكوّنات القانون اللبناني التي نجهلها، ولكنا نعتقد أن على العرب وضع ضوابط معينة تمنع بعض الاكاديميين التطبيعيين العرب من مواصلة تطبيعهم مع الاكاديميين الاسرائيليين المتواطئين مع السياسة الاستعمارية الاسرائيلية. ولكننا، في الوقت نفسه، نعارض استخدام سلاح التخوين والقمع والارهاب الفكري، وهو سلاح يراد به تحقيق مآرب سياسية لا تخدم الوطن ولا المواطنين.

7- لا أتفق معكِ بخصوص دعوتك الى "مواجهة أنفسنا وقراءة والتر آرمبرست بصراحته الجازمة". ذلك أن والتر آرمبرست يحمل مواقف تستخف بالنضال السلمي مثل العرائض والمقاطعة، وهما أسلوبان يصفهما بـ"التـعـبير الرخيص عن الغضب" وبـ"الرمزية الفارغة". كـمـا أن والتـر يـسـتـخـلص "أن المقاطعة الاكاديمية" باسـم الفلسـطينيين "هي في الواقع عنصر من عناصر القوة الصهيونية"! ويضيف والتر "جوهرة" اخرى حين يقول: "في الواقع، المقاطعة الاكاديمية هي محفّز للصـهـيـونيـة"! أما البديل الذي طرحه فهو الآتي: "حـاولـوا أن تـفـهـمـوا ثـقـافـة الـولايـات المتحدة واوروبا. في الثقافات الاكاديمية لهذه البلدان، لا تعتبر المقاطعة طريقة فاعلة لمقاومة النفوذ الاسرائيلي او الاميركي". كما أنه يعتقد أنه "لا يمكن تنظيم مقاطعة اقتصادية فاعلة لاسرائيل الا من خلال الضغوط السياسية على أعلى المستويات. اذ يجب تركيز الجهود على حشد الدعم لدى السياسيين الاميركيين كما يفعل الصهاينة ومؤيدوهم".

ويظهر والتر بوضوح أنه ما زال يحمل فكراً استعلائياً واستشراقياً، وهو لا يؤمن بالنضال السياسي السلمي بل بالمجموعات السياسية الضاغطة. وموقفه تسطيح وتتفيه للنضال السياسي السلمي، وتسويق لليأس الممزوج بالانبهار بالقدرات الخارقة للصهاينة. ولذلك أنصح بقراءة مداخلته بشكل نقدي.

 * محاضر فلسطيني في علم الاجتماع

اضغط هنا للعودة إلى فهرس الوثائق