2004/7/13


هذه هي تجربتي الشخصية في مقاطعة الأكاديميين الأسرائيليين
وكـيــف حــوّلها الصهيونيون في جامعة ميشيغان لمصلحتهم

والتر آرمبروست *

 

أولاً، تدّعي السيدة شايد(**) أنني طردتها هي وزميلتها من ورشة العمل في فلورنسا. هذا خطأ. وتنقل عني قولي لها في الرسالة التي وجّهتها إليها بالبريد الإلكتروني إنني آسف لأنها لن تحضر ورشة العمل. بعبارة أخرى، بما أنني ما كنت لأطرد المشارك الإسرائيلي كما طلبت هي، وبما أنها كانت قد قالت بوضوح إنها لن تحضر إذا كان هناك إسرائيلي، لم يبقَ أمامي من خيار سوى أن أعرب عن أسفي لأنها لن تتمكّن من الحضور. يمكن اتهامي بأنني تصرّفت على أساس أن السيدة شايد صادقة في قولها إنها لن تحضر مؤتمراً يشارك فيه إسرائيلي، لكن لا يمكن اتهامي بأنني طردتها من ورشة العمل. اعتبار ردّي على رسالتها الإلكترونية طرداً من ورشة العمل هو تشويه واضح للحقائق، وتدرك السيدة شايد ذلك جيداً. ما جرى هو أن السيدة شايد وزميلتها انسحبتا من ورشة العمل.

في ما يتعلّق بقانون المقاطعة اللبناني، السيدة شايد تخادع. كان واضحاً في الرسالة التي وجّهتها إليّ أنها تقاطع عن اقتناع. كان القانون حجّة وليس سبباً للمقاطعة بالنسبة إليها. من غير المفاجئ أنها لم تأتِ في ردّها الأخير في صحيفة "النهار" على ذكر الرسالة التي وجّهتُها إليها وأشرت فيها إلى أن القانون يطلب من الباحثين اللبنانيين فرض رقابة ذاتية على أنفسهم. هذا هو الواقع. إذا أراد الباحثون اللبنانيون المشاركة في مؤتمرات دولية، يجب أن يفرضوا رقابة ذاتية على أنفسهم في حال وجود إسرائيليين. إذا كان الباحثون اللبنانيون يخشون حقاً العواقب المترتّبة عن عدم احترام قوانين المقاطعة التي تطبّقها بلادهم، فأنا أتعاطف معهم. هم من يقرّرون إذا كانوا يريدون مقاومة القانون أم لا. لكنني لست لبنانياً، ولم يُعقد مؤتمر فلورنسا في لبنان، وربطت السيدة شايد مقاطعتها في شكل خاص باقتناعها وليس بالإكراه القانوني. إذا كانت السلطات اللبنانية تريد فرض قانون مقاطعة على الباحثين اللبنانيين يُطبّق خارج الأراضي اللبنانية، يجب أن يلتزم اللبنانيون برقابة ذاتية. لا يمكنهم أن يتوقّعوا من الآخرين أن يفعلوا هذا مكانهم.

لن أطبّق القانون اللبناني على مؤتمر دولي تماماً كما لن أطبّق القانون الإسرائيلي. عندما أثيرت مسألة المقاطعة، أرسلت نسخاً عن كل الرسائل التي تبادلتها مع السيدة شايد وزميلتها إلى الأعضاء الآخرين في ورشة العمل. أردت أن يقرّروا عن وعي منهم إذا كانوا يريدون البقاء في ورشة العمل أم يريدون الالتزام بالمقاطعة. وكانت صديقة السيدة شايد هي الوحيدة التي قرّرت الانسحاب. كان هناك مشاركون عرب إلى جانب المشاركين الإسرائيليين في ورشات عمل أخرى في مؤتمر فلورنسا. كانت رسالة السيدة شايد تقود إلى الاستنتاج الوحيد الآتي: إما أطرد الإسرائيلي أو أواجه انسحابها الطوعي. فتهرّبها من عواقب القانون اللبناني كان وسيلة وليس غاية. كنت لأعرب عن إعجابي بالسيدة شايد لو أنها وصفت وضعها على الأقل من منطلق الإكراه القانوني غير المرغوب فيه، بدلاً من استعماله كأداة لإرغامي على طرد مشارك اخترناه على أساس نوعية الطلب الذي تقدّم به إلى ورشة العمل.

لا تعرف السيدة شايد الإسرائيلي الذي شارك في حلقة العمل. لا تعرف شيئاً عن سياساته. قد يكون مكبّلاً بقيود مجتمعه ووضعه في الأكاديميا تماماً كما أن الباحثين اللبنانيين مكبّلون بقيود مجتمعهم ووضعهم في الأكاديميا. هل تظنّ أنه اختار العمل في جامعة بن غوريون لأنها بنيت على أرض مسلوبة؟ تعرف حقّ المعرفة أنه نادراً ما يستطيع الأكاديميون اختيار المؤسسة التي يريدون العمل فيها. في معظم الأحيان، يقبلون العمل أينما تسنح لهم الفرصة. كوني تحدّثت مع ذلك الإسرائيلي، أعرف جيداً أنه لو أتيح له أن يختار بين العمل في جامعة تل أبيب وجامعة بن غوريون، لاختار الأولى بدون أي تردّد.

سلوك السيدة شايد تجاه هذا الشخص الذي لا تعرفه خير دليل على أن المقاطعة لا تؤثّر على الملتزمين سياسياً بل على الأشخاص الذين لم يحسموا أمرهم بعد. ترغم سياسة المقاطعة الشخص الذي قد تكون لديه اعتراضات كثيرة على سياسات حكومته، على اتخاذ خيار. لكن أي خيار سيتّخذ؟ هل يتخلّى عن وظيفته؟ هل يهاجر؟ قد يفعل إذا كان لديه الخيار لكن ما أدرانا إن كان قد حصل يوماً عليه؟ في النهاية، تجعله المقاطعة أقلّ قدرة على مقاومة حكومته. كل من الحكومة والسيدة شايد يطلبان منه أن يختار: المعارضة الكاملة أو الدعم الكامل. بما أنني أعرف هذا الشخص والسيدة شايد لا تعرفه، استطعت أن أسأله إذا كان يدعم استمرار الاحتلال وحالة الحرب ضد لبنان، فكان جوابه بالنفي. لكن من غير المحتمل أن يبوح بهذا الأمر علناً إذا أرغِم على الاختيار بين معارضة حكومته أوالاستمرار في كسب رزقه كأكاديمي والمشاركة في المؤتمرات الدولية. لا يريد أن يقوم بأعمال تلحق الأذى بمصدر رزقه، شأنه في ذلك شأن السيدة شايد.

زعمت السيدة شايد أيضاً في مقالها أنها "تقاوم" سداد الضرائب للحكومة الأميركية من خلال عدم تلقّي راتب سنوي يتعدّى حدّاً معيناً منذ عام 1996. هذا هراء. أنا في الوضع نفسه منذ عام 2001، تاريخ انتقالي إلى بريطانيا. يسرّني أنني لم أعد أدفع ضرائب لحكومة اميركية تموّل سياسات لا أوافق عليها. لكنها مسألة حظ وليست مقاومة للضرائب. مقاومة الضرائب الحقيقية هي عندما يتعمّد المرء عدم دفع ضريبة عن كامل ما يملك. وإذا كان لا يملك شيئاً، فهذه ليست مقاومة. التهرّب من الضريبة هو عصيان مدني يؤدّي حتماً إلى عقوبة السجن إذا تمّ بطريقة علنية.

ورد على الموقع الإلكتروني لمصلحة الدخل الداخلي الأميركية "بالإضافة إلى عقوبة السجن لسنوات عدّة التي تفرضها المحاكم، يجب أن يدفع المحكوم عليهم بالتهرّب من الضرائب رسوماً وضرائب وغرامات مدنية، وفي معظم الأحيان تكاليف المحاكمة" (www.irs.gov).

استشهدت السيدة شايد بالأميركي هنري ديفيد ثورو الذي دخل السجن احتجاجاً على النظام العسكري الأميركي في القرن التاسع عشر. وعدّدت في مقالها مواقع إلكترونية تشجّع على التهرّب من الضرائب كوسيلة للعصيان المدني. لكنها لا تمارس العصيان المدني. الحصول على أجر متدنٍّ أو العيش في الخارج بعيد كل البعد عن العصيان المدني. وضع السيدة شايد مشابه لوضعي: ليس لديها التزامات ضريبية قانونية في الولايات المتحدة. هذا جيد لكن لا علاقة له بمقاومة النفوذ الأميركي.

في أهمّ نقطة حول مبدأ المقاطعة السياسية، تزعم السيدة شايد أن ما كتبتُه عن الفاعلية السياسية للمقاطعة هو إدانة لكل أنواع التحرّك السياسي. هذا هراء. إنها مسألة تكتيك وليست مسألة أهداف. بالتأكيد يجب أن يشارك الأكاديميون في السياسة، لكن في المؤسسات الأميركية أو الأوروبية، يؤمن معظم الأشخاص بحرية التعبير. الالتزام السياسي الأكثر فاعلية في بيئة كهذه هو التزام إيجابي من خلال حلقات النقاش والمنشورات. فكرة المقاطعة قديمة. أعرفها جيداً. رأت النور عندما بدأتُ الدراسات العليا في مطلع الثمانينات. منذ ذلك الوقت، سارت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط في اتجاه واحد: علاقة أكثر رسوخاً مع إسرائيل. هذا هو الإثبات الأبرز عن نتائج المقاطعة الأكاديمية. ويجب التشديد على أن السياسة الأميركية انحرفت نحو إسرائيل أكثر من أي وقت مضى، على الرغم من محاولات المقاطعة. في الواقع، تزيد المقاطعة الأمور سوءاً. فهي تساهم، لا سيما في المجال الأكاديمي، في تعزيز الهيمنة الإسرائيلية على الرأي العام الأميركي. ربما نجحت المقاطعة في العديد من الحالات الصغيرة، لكن في الإجمال، كانت النتائج عكسية وكارثية. أعرف هذا عن خبرة.

في أواخر الثمانينات، كنت طالب دكتوراه في جامعة ميشيغان (وليس جورجتاون كما ذكرت السيدة شايد في ردّها، مع أنني علّمت في مركز جورجتاون للدراسات العربية المعاصرة طوال أربع سنوات). في ذلك الوقت، كانت الموضة الرائجة لدى الطلاّب الناشطين في ميشيغان بناء أكواخ صغيرة وبسيطة في ساحة الجامعة الرئيسية. كان الهدف معارضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا من خلال إلقاء الضوء على معاناة السود هناك. ثم اتّبع الطلاب المؤيّدون للفلسطينيين الاستراتيجيا المناهضة للفصل العنصري من خلال بناء أكواخ للتعبير عن آثار الاحتلال الإسرائيلي. بعد حصول ذلك، صنع طلاب صهاينة مجسّم حافلة تجسيداً للهجوم الأخير في الأراضي المحتلّة الذي أودى بحياة عدد من الأولاد. وكتبوا على إحدى جهات الحافلة "أوقفوا الإرهاب العربي".

غضب الطلاب العرب عن حق. لماذا يُربط العرب كلهم بالعنف؟ لماذا يتركّز النقاش على طبيعة المقاومة العربية وليس على طبيعة الاحتلال الإسرائيلي؟ في ذلك الوقت، كنت عضواً في مجموعة طالبية تُعرف ب"لجنة التضامن مع فلسطين". استطعنا أن نشكّل تحالفاً مع مجموعات طالبية يسارية في مجلس الطلاب. عُيِّنت في المجلس كبديل من عضو قدّم استقالته، وكُلِّفت بالعمل ضد المجموعة الصهيونية التي صنعت الحافلة. اقترحت مجموعتنا طرد هؤلاء الطلاب بسبب تصاريحهم العنصرية. بعد نقاش طويل وحادّ، انتصرنا نحن، وطُردت المجموعة الصهيونية من مجلس الطلاب.

دام انتصارنا الكبير على الصهيونية شهراً واحداً. مني اليسار بهزيمة في الانتخابات اللاحقة، بما في ذلك حلفاؤنا الذين ساعدونا على الانتصار على المجموعة الصهيونية. أعاد مجلس الطلاب الجديد قبول المجموعة التي صنعت مجسّم الحافلة المهين، وحصلت على زيادة كبيرة في التمويل. والمثير للغضب أن عضواً في المجموعة عُيِّن رئيساً للجنة السلام والعدالة التابعة لمجلس الطلاب والتي كانت مسؤولة عن تنسيق الأنشطة باسم الشعوب التي تتعرّض للقمع مثل الفلسطينيين. بعبارة أخرى، كانت نتيجة نشاطنا السياسي أن أصبح الصهاينة مسؤولين عن الدفاع عن القضية الفلسطينية في حرم جامعة ميشيغان. كانت هزيمة اليسار المناهض للصهيونية في انتخابات الطلاب نتيجة مباشرة لسياستنا السلبية التي حاولنا من خلالها طرد المجموعة التي صنعت مجسّم الحافلة المناهض للعرب. لقد أسأنا إلى قضية مناهضة الصهيونية في جامعة ميشيغان. وهذا هو التأثير الذي تخلّفه السياسات السلبية، بما في ذلك المقاطعة، في المؤسسات الأكاديمية الأميركية. لا تنحصر المعادلة في ما يأتي "إما تدعم المقاطعة أو تدعم اللامبالاة". في الأكاديميا، تخلّف المقاطعة على الأرجح تأثيراً معاكساً.

شخصياً، لست ضدّ المقاطعة الاقتصادية في المبدأ. كانت المقاطعة ضدّ جنوب أفريقيا فاعلة. لكن الفرق كبير بين مكانة كل من إسرائيل وجنوب أفريقيا في الثقافة الأميركية. المصالح الإسرائيلية والصهيونية أكثر تداخلاً بالمجتمعات والاقتصادات الأميركية والأوروبية مما كانت عليه مصالح جنوب أفريقيا في مرحلة الفصل العنصري.

تعاطف السيدة شايد مع الفلسطينيين يستحقّ الثناء، لكن يبدو أنه ليس لديها أدنى فكرة عن المجتمع الأميركي. للصهيونية مدافعون أقوياء عنها في قلب الثقافة الأميركية. فُرِض على أنسبائي المسيحيين في أوماها في نبراسكا أخذ دروس عن المحرقة الأوروبية. لم يكن الهدف من الدروس أن يدركوا وحشية الإنسان تجاه أخيه الإنسان بل أن يتعاطفوا مع الصهيونية. لم يكن للفصل العنصري في جنوب أفريقيا وجود ثقافي أو اقتصادي مماثل في الولايات المتحدة. لذا كان من السهل الترويج لفكرة المقاطعة الاقتصادية لجنوب أفريقيا. أما الوضع مع إسرائيل فمختلف جداً. فكّرت ذات مرة في الإجراءات المطلوبة لمقاطعة إسرائيل بطريقة فاعلة. وسرعان ما تبيّن أن هذا يتطلّب مجهوداً كبيراً. فالشركة التي أشتري منها الكهرباء يملكها رجل يتبرّع بمبالغ طائلة للقضايا الصهيونية. كان بإمكاني التعامل مع شركة أخرى، لكنني اكتشفت أن الشركة التي اشتريت منها الكمبيوتر يملكها أيضاً رجل يتبرّع بالمال للقضايا الصهيونية. كان بإمكاني شراء كمبيوتر جديد لكن شركة تعبئة المياه التي أتعامل معها تقدّم المال أيضاً لإسرائيل. في الواقع، تحظى إسرائيل بالشعبية في الولايات المتحدة، وتفادي الالتزام الاقتصادي مع أميركيين موالين لإسرائيل يتطلّب الانفصال عن المجتمع الأميركي.

في مجال حقوق الإنسان، المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل مبرّرة. الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة أسوأ في بعض النواحي من الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. لكنها مسألة تكتيك. لا فائدة من الامتناع عن شراء طماطم مستوردة من إسرائيل. لا تؤثّر المقاطعة الفردية في الدعم الأميركي لإسرائيل. لا يمكن تنظيم مقاطعة اقتصادية فاعلة لإسرائيل إلا من خلال الضغوط السياسية على أعلى المستويات. إذاً يجب تركيز الجهود على حشد الدعم لدى السياسيين الأميركيين كما يفعل الصهاينة ومؤيّدوهم. لكن الضغوط السياسية لن تكون فاعلة أبداً في توسيع المقاطعة لتشمل الأكاديميا، كما أن محاولات الترويج للمقاطعة الأكاديمية لن تسمح بتفعيل المقاطعة الاقتصادية. ستكون النتائج عكسية من منطلق أنه يجب أن يتمتّع الأكاديميون بحرية التعبير عن آرائهم. في الواقع، المقاطعة الأكاديمية هي محفّز للصهيونية.

سأكون واضحاً جداً: لست أقول إن أيّ تحرّك مستحيل. النقطة الأساسية هي التكتيك. يولّد تكتيك المقاطعة نتيجة مناقضة لما يريده المدافعون عنه. حادثة منى بايكر التي تذكرها السيدة شايد في ردّها، مثال جيّد آخر على النتائج العكسية للمقاطعة. إنه مثل بريطاني وليس أميركياً، لكن سلوك الدولتين متشابه. عند اندلاع الانتفاضة الثانية، انتشرت العرائض التي تدعو إلى المقاطعة في أوساط الأكاديميين البريطانيين والأميركيين. بدا لبرهة أن الحركة تكتسب زخماً. لكن تغيّر الوضع. فخلافاً لمقال "الغارديان" المتفائل الذي أتت السيدة شايد على ذكره ("المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل تكتسب زخماً")، وضعت قضية منى بايكر حداً لحركة المقاطعة البريطانية. كيف؟ حاولت الدكتورة بايكر، أستاذة مادّة الألسنية في معهد العلوم والتكنولوجيا في جامعة مانشستر، أن تطبّق المثل العليا التي تؤمن بها من خلال طرد إسرائيليَين من هيئة تحرير المجلة التي تشرف عليها. عبر طرد إسرائيليين كانا يحتّلان مواقع أكاديمية، فعلت بايكر ما أرادت السيدة شايد أن أفعله بنفسي. يمكن استخلاص عبر من قضية بايكر. لقد أثار تصرّفها غضب الصحافة البريطانية، وألحق الأذى بحركة المقاطعة التي اتخذت موقفاً دفاعياً في بريطانيا منذ نشر الخبر، والأسوأ من ذلك أنه أساء إلى صورة القضية الفلسطينية في بريطانيا. كانت هذه لحظة حاسمة في تراجع الدعم المعنوي الذي تمتّع به الفلسطينيون منذ بدء الانتفاضة الثانية. كان تأثير الخطوة التي قامت بها الدكتورة بايكر ملموساً، لكن في اتجاه معاكس لما أرادته هي. إذا أراد القرّاء الاطلاع على مقال آخر نُشر في "الغارديان" عن آثار المقاطعة، أحيلهم إلى مقال "الطلاب يعتبرون أن التوقيف عن العمل ليس كافياً بحق المدرّس في أكسفورد" (28 تشرين الأول 2003). يتحدّث المقال عن توقيف أستاذ في علم الأمراض في أكسفورد عن التدريس لأنه رفض أن يصبح مستشاراً أكاديمياًَ لطالب إسرائيلي بحجّة أنه يريد مقاطعة الإسرائيليين. والأسوأ من ذلك أنه ألحق الأذى بصورة الفلسطينيين لدى محاولته الترويج لقضيّتهم.

تهدف السيدة شايد من خلال استشهادها بمقال "الغارديان" إلى تصوير التوقيع على عرائض المقاطعة بأنه مثال شجاع عن التحرّك الأكاديمي الناجح. هذا غير صحيح. يعمد الأكاديميون الذين يظّنون أنهم أكثر استقامة من الآخرين إلى التوقيع على عرائض المقاطعة بهدف التعبير عن آرائهم السياسية بدون أن تترتّب عليهم أي أعباء على الصعيد الشخصي. إنه تعبير رخيص عن الغضب. ويسهل على الصهاينة وحلفائهم التصدّي له. ورد في مقال "الغارديان" أن النسخة الأخيرة من عريضة المقاطعة المناهضة للصهيونية جمعت 300 توقيع. لكن عريضةً مناهِضة للمقاطعة ومؤيّدة للصهيونية جمعت اعتباراً من أيار 2002 (عندما لم تكن حركة مقاطعة الصهيونية تُحتضر كما الآن) أكثر من 2500 توقيع. وتجدون على الموقع الإلكتروني www.professors.org. عدداً من المبادرات الأخرى للتوقيع على عرائض مؤيّدة للصهيونية. يمكن مواجهة العرائض بعرائض مضادّة. إنها تعبير عن رمزية فارغة.

تولّد المحاولات لمقاطعة الأكاديميين اشمئزازاً عاماً، وغالباً ما تسبّب إذلالاً علنياً أو استبعاداً لمن يقومون بهذه المحاولات، والأسوأ من ذلك أنها تضرّ بالقضية التي يدافع عنها المقاطعون. لم تُسجَّل محاولة ناجحة واحدة لطرد إسرائيلي من مركز أكاديمي في أي مكان في أوروبا أو الولايات المتحدة. لماذا يبذل إذاً من يهتموّن فعلاً بالقضية الفلسطينية كل هذا الجهد لتطبيق استراتيجيا أثبتت أنها تولّد نتائج عكسية؟

السيدة شايد مقتنعة بأن التحرّك السياسي الوحيد الممكن هو رفض التحدّث مع الأخصام ومطالبة الآخرين بفظاظة بفعل الشيء نفسه. أدرك هذا المفهوم جيداً منذ أن كنت طالباً في جامعة ميشيغان. وأفهم الحاجة إلى المقاومة من خلال الرفض. لكنه ليس تكتيكاً فاعلاً في سياق أكاديمي أميركي. يتحدّث كثر عن الحاجة إلى أن يفهم الأكاديميون الأجانب السياسات العربية. لكن المؤتمر موضوع الجدل لم يُعقد في العالم العربي بل في أوروبا. يبدو أن من وجّهوا إليّ رسائل الردّ في "النهار" تجاهلوا أن النقاش الحادّ لا يرتكز على السياسات الشرق الأوسطية بل على أفضل طريقة للتأثير في السياسات الأوروبية والأميركية. لهذه السياسات شروطها الخاصة. نتيجة لذلك، وإذا كان العرب يريدون التخلّص مما يلحق بهم البلاء (أقصد الولايات المتحدة) يجب أن يأخذوا على محمل الجدّ واحدة من توصيات الراحل إدوارد سعيد التي لم تحظَ بالانتباه الكافي: حاولوا أن تفهموا ثقافة الولايات المتحدة وأوروبا. في الثقافات الأكاديمية لهذه البلدان، لا تعتبر المقاطعة طريقة فاعلة لمقاومة النفوذ الإسرائيلي أو الأميركي.

المقاطعة الأكاديمية "باسم" الفلسطينيين هي في الواقع عنصر من عناصر القوة الصهيونية. صواب الأهداف السياسية التي تتوخّاها السيدة شايد وأصدقاؤها واضح لكل من يدرس التاريخ. لكن من المؤسف أن التكتيك الذي يستعملونه يخدم عن غير قصد القضية التي يحاربونها.

* والتر آرمبروست (Walter Armbrust):  استاذ في جامعة اكسفورد

** كيرستن شايد (Kirsten Scheid) - "قضايا النهار" (22/7/2004) - "رد على رد والتر آرمبروست: مقاطعة الاكاديميين الاسرائيليين ومسؤولية المثقفين".   

  اضغط هنا للعودة إلى فهرس الوثائق